ملخص

سيرة حياة أبو مسلم الخراساني

( من كتاب ” البداية والنهاية ” لابن كثير، ج:10، ص: 39 ـ 96)

دكتور محمد عيسى قنديل

نسبه:

هو عبد الرحمن بن شيرون بن أسفنديار، أبو مسلم المروزي ( نسبة إلى مدينة مرو بخراسان ) ، روى عدداً من الأحاديث عن أبي الزبير، وثابت البناني، وإبراهيم وعبد الله ابني محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ومحمد بن علي، وعبد الرحمن بن حرملة، وعكرمة مولى ابن عباس ، وآخرون .( وقد اختُلِف كثيراً في نسبه).

ولد بـ “أصبهان” ، وتوفي أبوه وله من العمر سبع سنوات ، وكان قد أوصى به إلى عيسى بن موسى السراج ، فرحل به إلى “الكوفة” ، حيث نشأ ودرس فيها، ويبدو أنه اتصل بصاحب الدعوة العباسية الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس المذكور ، فلما بلغ السادسة عشرة من عمره  ، زوجه ابنة أبي النجم إسماعيل العجلي ، وأصدقها عنه أربعمائة درهم .

ظهوره :

ثم أرسله سنة 128هـ لنشر الدعوة العباسية في خراسان ، التي كانت حتى ذلك الوقت دعوة سرية ، وكتب إلى دعاته بخراسان والعراق أن يسمعوا له ، فرفضوا ذلك بحجة صغر سنه ، فانتظر سنة كاملة قبل أن يكتب إليهم بالأمر مرة أخرى ، فسار أبو مسلم إلى خراسان ، بعد أن زوده إبراهيم بنفقة للسفر (مما يشير إلى كونه فقيراً يومذاك )، فنشط في الدعوة حتى تمكن من جمع خلائق كثيرة من الموالي حوله، كانت تكره الدولة الأموية، حتى أنه يوم أن تحولت الدعوة العباسية إلى دعوة جهرية، كان أبو مسلم قد نجح في تكوين أكثر من سبعين خلية دعوة، انتشرت في جميع نواحي خراسان. ولعل مما ساعده في نجاحه شخصيته الفذة، التي وصفها ابن كثير بقوله: “كان ذا هيبة وصرامة وإقدام وتسرع في الأمور”، وقال عنه الخطيب بن عساكر: “كان أبو مسلم ذا عقل وتدبير وحزم”.

وفي سنة 129هـ ورد أبا مسلم كتاب من إبراهيم الإمام العباسي، يطلب منه الحضور إليه، فسار في موكب جليل يضم 70 نقيباً من نقباء الدعوة العباسية في خراسان، مدعياً أن سبب ضخامة هذا الموكب هو الذهاب لتأدية فريضة الحج، وكان في طريقه لا يتوانى عن دعوة من يثق بهم، ممن يمر بهم في طريقه، عن دعوتهم إليه، فأجابه عدد كبير من هؤلاء، وفي هذه الأثناء ورده كتاب آخر من سيده ، يطلب منه العودة إلى خراسان، وإعلان الدعوة للعباسيين جهراً ، فعاد أبو مسلم بموكبه إلى خراسان ، بعد أن أرسل ما معه من الأموال والتحف إلى صاحب الدعوة العباسية إبراهيم المذكور ، ووعده أن يزوره في موسم حج العام القابل .

وكان أمير خراسان من قبل الأمويين نصر بن سيار ، حيث كان يومها مشغولاً بقتال الثائر ابن الكرماني (وهو جديع بن علي الكرماني) ، وزعيم الخوارج في خراسان شيبان بن سلمة الحروري ، وكان شيبان قد عظم شأنه وعجز عنه نصر ، وتلقب بالخلافة ، فلا يُسَلِّم عليه أصحابه إلا بتحية الخلافة .

إعلان الدعوة العباسية :

عاد أبو مسلم إلى خراسان وأظهر الدعوة للعباسيين ، إذ بعث الدعاة إلى أقاليم خراسان المختلفة ، وأخذ أهل خراسان يدخلون في الدعوة العباسية أفواجاً ، فكان ممن قصده في يوم واحد أهل ستين قرية ، وتمكن من الاستيلاء على عدد من أقاليم خراسان ، وبدأ في إظهار شعارات العباسيين ، كلبس السواد ، وإلقاء خطبة يوم الجمعة من على منبر، ومخالفة خطباء العيد عند بني أمية في عدد تكبيرات صلاة العيد ، ثم كتب إلى نصر بن سيار يقرِّعه ، مغتنماً انشغاله بقتال ابن الكرماني وشيبان الخارجي ، ثم عقد لواء السواد (شعار العباسيين) الذي بعثه إليه سيده إبراهيم ، وكان هذا اللواء يدعى “الظل” ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً ، وعقد الراية التي أرسلها له إبراهيم كذلك ، وكانت تدعى ” السحاب “، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً.

كانت الأمور في نظر نصر بن سيار الأموي قد أصبحت خطرة ، فأرسل جيشاً لمحاربة أبي مسلم ، ولكن أبا مسلم تمكن من هزيمته عل يد قائده مالك بن الهيثم الخزاعي ، مما اضطره إلى أن يكتب للخليفة مروان بن محمد رسالة مطولة ، ضمَّنها عدداً من أبيات الشعر، منها :

أرى خلل الرماد وميض نـار        فيوشك أن يكون لها ضرام

فإن النـار بالعيـدان تذكـى         وإن الحرب أولها كـــلام

فإن لم يطفها عقلاءُ قـــوم         يكون وقـودها جثث وهـام

أقول من التعجب ليت شعري          أأيقـاظ أميَّــة أم نيــام

فإن كـانوا لحـينهم نيــام          فقل : قوموا فقد حان القيـام

استيلاء أبو مسلم على خراسان :

وأخذت الأمور تسير لصالح إبي مسلم ، إذ كانت الهزائم الحربية تتوالى على بني أمية في أطراف دولتهم الشرقية ، فقد تمكن خازم بن خزيمة من الاستيلاء على مدينة “مرو”  ، وقتل واليها ، ثم أرسل أبو مسلم النضر بن نعيم إلى ” هراة ” فاستولى عليها ، وهرب واليها عيسى بن عقيل الليثي إلى نصر ، إلا أن طوائف من العرب المقيمين في خراسان تعاقدوا على قتال أبي مسلم ، وعقد نصر بن سيار حلفاً مرحلياً مع شيبان لقتال أبي مسلم ، فإذا انتصرا عليه عاد شيبان إلى حاله الأول ، فعلم أبو مسلم بذلك ، فأرسل إلى ابن الكرماني يبلغه بذلك ، فكتب هذا إلى شيبان يعاتبه على ما فعل ، وثناه عن ذلك ، إلا أنه أصر على مهادنة نصر لمدة سنة ، فكره ابن الكرماني ذلك ، وأرسل إلى أبي مسلم ، يقول له : إني معك ! ، واتفق الاثنان على قتال نصر بن سيار.

شعر أبو مسلم أنه تمكن من أجزاء كثيرة في خراسان ، فأخذ يؤسس لإقامة إمارة خاصة به فيها ، فأنشأ حرساً وشرطة وديواناً للرسائل ، وديواناً لإدارة شؤون البلد ، وجعل أحد نقبائه قاضياً ، وأخذ يكتب إلى نصر بن سيار وابن الكرماني ، يستميلهم إليه ، مدعياً أن سيده قد أوصاه بهما خيراً ، وأخذ يرسل الرسائل إلى الأقاليم يستميل أهلها إلى بني عباس ، فاستجاب له خلق كثير .

نشبت الحرب الضارية بين نصر بن سيار وابن الكرماني ، وحاول أبو مسلم أن يقف إلى جانب ابن الكرماني ، فكتب نصر بن سيار إلى سيده الخليفة الأموي مروان بن محمد (آخر خلفاء بني أمية) ، وإلى واليه على العراق يزيد بن عمرو بن هبيرة ، يخبرهما بقوة أبي مسلم وكثرة أنصاره وأتباعه ، إلا أن مروان وابن هبيرة لم يفعلا شيئاً ، إذ كانا مشغولين بالفتن الداخلية في بلاد الشام والعراق ، ولكن نصراً تمكن من قتل ابن الكرماني.

ويبدو أن إبراهيم صاحب الدعوة العباسية شعر أن أبا مسملم متوانٍ عن قتال أعداء الدعوة في خراسان ، إذ أرسل له كتاباً ، يشتمه فيه ويسبه ، ويأمره أن يناهض نصراً وابن الكرماني ، ” ولا يترك هناك من يحسن العربية ” ، وعلم الخليفة الأموي المذكور بذلك ، فأرسل إلى نائبه في “البلقاء” (الأردن) رسالة ، يأمره فيها بالذهاب إلى الحميمة (عاصمة إبراهيم) وتقييد صاحبها، وفعلاً تمَّ له ما أراد ، فسجنه ، ثم قتله ، بعد أن أمضى في سجنه أكثر من ثلاث سنوات.

وفي سنة 130هـ تمكن أبو مسلم من دخول “مرو” ، فنزل بدار الإمارة بعد أن انتزعها من نصر بن سيار ، الذي هرب في ثلة من أصحابه إلى “سرخس” ، أما شيبان الخارجي فقد أرسل إليه أبو مسلم الرسل فسجنهم ، مما اضطره إلى إرسال جيش إليه ، تمكن من هزيمته، وقتله مع عدد من أصحابه ، ثم قام أبو مسلم بقتل ابني ابن الكرماني : علياُ وعثمان ، ثم وجه همه إلى “بلخ” ، حيث تمكن من الاستيلاء عليها ، ووجه قحطبة بن شبيب ، يرافقه عدد من كبار أمراء أبي مسلم ، كخالد بن برمك ، إلى “نيسابور” ، فالتقوا في طريقهم إليها ، في مدينة “طوس” ، بجيش كبير يقوده تميم بن نصر بن سيار ، فأرسل قحطبة إلى أبي مسلم يستنجده ، فأرسل له 10 آلاف فارس ، فاقتتلا قتالا شديداً ، وتمكن جيش قحطبة من قتل 17 ألفاً من أتباع نصر ، وقتل تميم نفسه ، فكتب نصر بذلك إلى يزيد بن هبيرة والي العراق، فأمده بسرية ، إلا أن الهزيمة حاقت بنصر مرة أخرى ، فهرب إلى “قومس” ، فتبعه بعض جيش قحطبة ، بقيادة ولده الحسن ، فلما علم نصر بذلك رحل إلى “الريّ” ، ثم إلى “ساوة” ، حيث توفي فيها عن خمس وثمانين سنة ، ثم استولى أبو مسلم على “جرجان” ، و”همذان”، و”نهاوند”، و”شهرزور”، وهكذا خلصت خراسان كلها لأبي مسلم.

نهاية الدولة الأموية :

ثم وجه أبو مسلم همه للقضاء على الحكم الأموي في العراق والشام ، فأرسل قائده قحطبة إلى والي العراق يزيد بن عمرو بن هبيرة ، الذي ما إن سمع بمقدمه ، حتى تقهقر إلى غربي نهر الفرات من جهة الشام ، وعسكر قرب “الفلوجة” ، وهناك وصلته الإمدادات العسكرية من مروان من محمد ، حيث نشبت معركة شديدة بين الطرفين ، قتل فيها قحطبة نفسه ، ولكن جيشه انتصر على جيش ابن هبيرة وأعوانه من أهل الشام ، الذي ولوا الأدبار ، فتبعهم أهل خراسان الذين ولوا عليهم الحسن بن قحطبة قائداً جديداً ، وتمكن أبو مسلم بعد ذلك من الاستيلاء على العراق كلها.

ارتحل آل بني العباس الموجودين في الحميمة بعد اعتقال إمامهم المذكور إلى “الكوفة” ، حيث أخفاهم زعيم الدعوة العباسية فيها أبو سلمة الخلال ، وكتم أمرهم عن قادته وأمرائه أربعين يوماً ، وكان إبراهيم قد أوصى أن يكون الأمر من بعده لأبي العباس السفاح (عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب). ويبدو أن أبا سلمة كان ينوي أن يحول الخلافة العباسية إلى آل علي بن أبي طالب ، ولكن نقباءه وأمراءه رفضوا ذلك ، وأحضروا السفاح ـ بعد أن علموا مكانه ـ وسلَّموا عليه بالخلافة ، ثم خرج بهم في موكب كبير إلى المسجد الجامع ، وصلى بالناس ، وصعد المنبر ، حيث بايعه الناس بالخلافة .

كان مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين قد تحول بعد الهزيمة المنكرة لواليه ابن هبيرة على العراق ، إلى نهر الزاب (أحد روافد نهر دجلة) ، ودارت هناك بينه وبين قائد جند العباسيين أبي عون بن يزيد ، بعد أن وصلته الإمدادات العسكرية من السفاح ، معركة شرسة

انهزم فيها مروان وجيشه ، بعد أن غرق منه خلق كثير ، فتابعه العباسيون ، يطاردونه في كل مكان يحلُّّّ فيه ، إلى أن ألقي القبض عليه في صعيد مصر ، حيث تمَّ قتله هناك في ذي الحجة سنة 132هـ ، ودخل جند العباسيين دمشق ، وأباحوها لأنفسهم ثلاثة أيام ، ارتكبوا فيها الفظائع ، ولم يتركوا أحداً من بني أمية إلا قتلوه ، حتى نبشوا قبور الأموات منهم، وأحرقوا ما وجدوا فيها . 

نهاية أبي مسلم الخراساني :

لم يغفر السفاح لأبي سلمة نيته في تحويل الخلافة إلى آل علي ، ويبدو أنه علم أن أبا مسلم كان يوافق أبا سلمة رأيه سراً ، فأراد أن يتأكد من ذلك ، فإن رفض الموافقة على قتله ، فرأي أبي سلمة هو رأيه ، ويكون بنو العباس في كرب كبير لقوة أبي مسلم وكثرة أتباعه ، فأرسل أخاه أبا جعفر المنصور إلى أبي مسلم، يسأله الرأي في قتل أبي سلمة ، فذهب هذا إلى خراسان، حيث استقبله فيها أبو مسلم  بالترحيب ، فقص عليه المنصور أمر أبي سلمة ، قال : أفعلها‍؟‍‍ ، ثم دعا رجلاً من أتباعه ، يقال له مرار بن أنس الضبي ، وأمره بالذهاب إلى الكوفة وقتل أبي سلمة ، الذي كان من جلساء السفاح ، ويقال له : أمير آل محمد ، فانتظره إلى أن خرج من مجلسه وقتله ، ثم قيل بعد ذلك : إن الخوارج هم قتلته ، وأرسل أبو مسلم محمد بن الأشعث إلى فارس ، حيث أمره بتتبع أعوان أبي سلمة وقتلهم ، ففعل ذلك .

وعلى الرغم من أن مخاوف السفاح من تآمر أبي مسلم مع أبي سلمة قد زالت من نفسه ونفس أخيه أبي جعفر ، إلا أن ما رآه أبو جعفر من مظاهر السلطة والجاه والقوة التي كان عليها أبو مسلم في خراسان قد ملأت قلبه خوفاً منه ، فلما عاد إلى أخيه الخليفة السفاح ، قال له : ” لستَ بخليفة ما دام أبو مسلم حياً”، فطلب منه كتمان الأمر .

وفي سنة 133هـ ، قضى أبو مسلم على تمرد قام به شريك بن شيخ المهري ببخارى ، وفي سنة 134هـ ، غزا بلاد الصغد (بين بخارى وسمرقند))، وكش (قريةمن قرى أصفهان)، فقتل خلقاً كثيراً ، وغنم من الأواني الصينية المغطاة بالذهب شيئاً كثيراً جداً ، وفي سنة 135هـ ، قضى على تمرد جديد قام به زياد بن صالح فيما وراء نهر بلخ .

وفي سنة 136هـ ، استأذن أبو مسلم الخراساني السفاح العباسي في زيارته، فوافق على ذلك ، على أن لا يرافقه أكثر من 500 جندي ، فرفض أبو مسلم ذلك، بحجة أن للكثيرين عنده ثارات ، لا تستطيع هذه القوة الصغيرة حمايته منهم ، فوافق الخليفة على أن يصطحب ألف جندي ، ولكن أبا مسلم قدم في ثمانية آلاف جندي ، وحمل معه من الهدايا الشيء الكثير ، ولكنه عندما وصل بغداد لم يكن معه أكثر من ألف جندي ، فاستقبله السفاح وأكرمه إكراماً بالغاً ، ثم استأذن أبو مسلم السفاح في المسير إلى الحج ، فقال له : لولا أني كنت قد عينت أخي أبا جعفر المنصور لإمارة الحج لكانت لك .

كان أبو جعفر المنصور يرغب في التخلص من أبي مسلم الخراساني أثناء زيارته لدار الخلافة ، وقد طلب من أخيه مراراً أن يدعه يتخلص منه ، ولكن السفاح كان يقول له : ” قد علمت بلاءه معنا وخدمته ” ، فقال له أبو جعفر : ” إنما كان ذلك بدولتنا ، والله لو أرسلت سنوراً ، لسمعوا لها وأطاعوا‍، وإنك إن لم تتعش به تغدى بك هو ” ، فقال له :”كيف السبيل إلى ذلك؟” ، فقال : ” إذا دخل عليك فحادثه ، ثم أجيء أنا من ورائه ، فأضربه بالسيف” قال : “كيف بمن معه ؟ ” ، قال :” هم أذل وأقل” ، فأذن له في قتله ، إلا أن السفاح تراجع عن ذلك وطلب من أخيه صرف النظر عنه .

حج أبو مسلم الخرساني بمعية أبي جعفر المنصور ، وتوفي السفاح أثناء عودة ركب الحاج العراقي من رحلة الحج ، فعجل آبو جعفر بالعودة، وفي صحبته أبو مسلم إلى الكوفة ، حيث تمت البيعة له بالخلافة في ذي الحجة سنة 136هـ . وكان أول ثورة عاتية يواجهها أبو جعفر المنصور ، هي ثورة عمه عبد الله بن علي ، وعلى الرغم من أن أبا جعفر كان يستخف بأبي مسلم ويحتقره ، إلا أنه وجهه على رأس جيش كبير ، للقضاء على ثورة عمه هذه ، فاستطاع أن يوقع به الهزيمة، ويستولي على ما كان في معسكرهم، ولكن أبا جعفر لم يثق في أبي مسلم، فأرسل من يحصي الغنائم ، فغضب أبو مسلم من ذلك

ويبدو أن استخفاف أبي جعفر المنصور بأبي مسلم الخراساني ، جعل نفس الثاني تشمخ عليه ، فهمَّ بقتله ، ففطن المنصور لذلك ، مع ما كان يبطن في نفسه من بغضه ، فأخذ يماكره ويخادعه ، ويقال أنهما تبادلا عددا من الرسائل التي كان يشنع كل منهما على الآخر فيها ، ولم يزل المنصور يراسله تارة بالرغبة ،وتارة بالرهبة ، ويستخف عقول من حوله من الأمراء والرسل، الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور ويعدهم ، حتى حسَّنوا لأبي مسلم في رأيه القدوم عليه ، سوى أمير يقال له نيزك ، فإنه لم يوافق على ذلك ، وأشار على أبي مسلم بقتل المنصور، وتولي الخلافة بعده ، فلم يتمكن من ذلك ، ذلك أنه لما قدم على المنصور في المدائن ، وكان في نيته قتله ، وصل متأخراً ، فلم يستقبله المنصور إلا قليلاً ، بحجة أنه تعب من السفر ، وسيستقبله غداً بشكل مطول ، فلما كان من الغد أعد المنصور خطة محكمة لقتله ، إذ أرصد له عدداً من الأمراء ، فقاموا بقتله .

إلا أن هناك رواية أخرى حول مقتله ، مفادها : أن أبا مسلم أقام في المدائن عدة أيام ، يظهر له المنصور فيها الإكرام والاحترام ، ثم توجس أبو مسلم خيفة من المنصور ، فاستشفع بعيسى بن موسى العباسي ، ـ ولم يكن عيسى على علم بخطة الخليفة لقتل أبي مسلم ـ فقال له : ” لا بأس عليك ، فانطلِقْ ، فإني آتٍ وراءك ، أنت في ذمتي حتى آتيك ” ، فجاء أبو مسلم يستأذن على المنصور ، فقالوا له : ” اجلس ها هنا ، فإن أمير المؤمنين يتوضأ ” ، فجلس وهو يود أن يطول مجلسه ليجيء عيسى بن موسى ، فأبطأ ، وأذن له الخليفة ، فدخل عليه ، فجعل يعاتبه في أشياء صدرت عنه ، فيعتذر عنها جيداً ، حنى قال له : “لم قتلت سليمان بن كثير ، وإبراهيم بن الميمون ، وفلاناً وفلاناَ ؟ ” ، قال : ” لأنهم عصوني ، وخالفوا أمري ” ، فغضب عند ذلك المنصور ، وقال : ” أنت تقتل إذا عُصِيتَ ، وأنا لا أقتلك , وقد عصيتني ؟” ، وصفق بيديه ، وكانت الإشارة بينه وبين المرصَدين لقتله ، فتبادروا إليه ليقتلوه ، فضربه أحدهم ، فقطع حمائل سيفه ، فقال : “يا أمير المؤمنين استبقني لأعدائك ” ، فقال :” وأي عدو لي أعدى منك ؟ ، ثم زجرهم المنصور ، فقطَّعوه إرباً ، ولفُّوه في عباءة ، ودخل عيسى بن موسى على إثر ذلك ، فقال : ” ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ ” ، فقال : ” هذا أبو مسلم” ، فقال : “إنا لله وإنا إليه راجعون ” ، فقال المنصور : ” أحمد الله الذي هجمتْ عليّ‌َ نعمه ، ولم تتهجم عليَّ نقمه ” ، ثم أمر بإلقائه في نهر دجلة، وكان قتله في شعبان سنة 137هـ . وأرسل إلى خازن أبي مسلم في خراسان من قتله ، وأخذ جميع ما في حواصله من الذخائر والأموال والجواهر .

ويروى أنه لما قال عيسى بن موسى : إنا لله وإنا إليه راجعون ، قال له المنصور: خلع الله قلبك ! ، وهل كان لكم مكان أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم ؟، ثم استدعى كبار الأمراء ، فجعل يستشيرهم في قتل أبي مسلم ، قبل أن يعلموا بقتله ، فكلهم يشير بقتله ، ومنهم من كان إذا تكلم أسرَّ كلامه ، خوفاً من أبي مسلم ، لئلا يُتقَل إليه ، فلما أطلعهم على قتله فزعوا ، وأظهروا سروراً كبيراً .

وفي رواية ابن جرير الطبري ، أن المنصور تقدم إلى عثمان بن نهيك ، وشبيب بن واج ، وأبي حنيفة ، وحرب بن قيس ، وآخر من الحرس ، أن يكونوا قريباً منه ، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه ، وضرب بإحدى يديه على الأخرى ، فليقتلوه. فلما دخل عليه أبو مسلم ، قال له المنصور: ما فعل السيفان اللذان أصبتهما من عبد الله بن علي ؟ ، فقال : هذا أحدهما ، فقال : أرنيه ، فناوله السيف ، فوضعه تحت ركبته ، ثم قال له : ما حملك على أن تكتب لأبي عبد الله السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلِّمنا الدين ؟ ، قال : إنني ظننت أن أخذه لا يحل، فلما جاءئي بكتاب أمير المؤمنين ، علمت أنه وأهل بيته معدن العلم ، قال : فلم تقدمت عليَّ في طريق الحج ؟ ، قال : كرهت اجتماعنا على الماء ، فيضر ذلك بالناس ، فتقدمت التماس الرفق ، قال : فلم لا رجعت إليَّ حين أتاك خبر موت أبي العباس ؟ ، قال : كرهت التضييق على الناس في طريق الحج ، وعرفت أننا سنجتمع بالكوفة ، وليس عليك مني خلاف ، قال : فجارية عبد الله بن علي ، أردت تتخذها لنفسك ؟ ، قال : لا ، ولكن خفت أن تضيع ، فحملتها في قبة ، ووكلت بها من يحفظها . ثم قال له : ألستَ الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك والكاتب إليَّ، تخطب آمنة بنت علي ؟ ، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس ؟ ، هذا كله ويد المنصور في يده ، يعركها ويقبِّلها ويعتذر ، ثم قال له : فما حملك على مراغمتي ودخولك إلى خراسان ؟ ، قال : خفت أن يكون دخَلَك مني شيء ، فأردت أن أدخل خراسان ، وأكتب إليك بعذري . قال : فلم قتلت سليمان بن كثير ، وكان من نقبائنا ودعاتنا قبلك ؟ ، قال : أراد خلافي ، فقال : ويحك، أنت أردت خلافي وعصيتني ، قتلني الله إن لم أقتلك ، ثم ضربه بعمود الخيمة ، وخرج إليه أولئك ، فضربه عثمان فقطع حمائل سيفه ، وضربه شبيب فقطع رجله ، وحمل عليه بقيتهم بالسيف ، والمنصور يصيح : ويحكم ، اضربوه قطع الله أيديكم ، ثم ذبحوه وقطَّعوه قطعاً قطعاً ، ثم ألقي في دجلة .

ويروى أن المنصور لما قتله ، وقف عليه ، فقال : ” رحمك الله أبا مسلم ، بايعتنا فبايعناك ، على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك ، وحكمنا عليك حكمك على نفسك لنا “.

ويقال : إن المنصور قال: ” الحمد لله الذي أرانا يومك يا عدو الله ” ، وقال ابن جرير : : وقال المنصور عند ذلك :

زعمت أن الدين لا يُقتَضى         فاستوفِ بالكيل أبا مجــرمِ

سُقيتَ كأساً كنت تسقي بها         أَمَرَّ في الحلــق من العلقـمِ

وذكر ابن جرير كذلك أن أبا مسلم قتل في حروبه، وما كان يتعاطاه لأجل دولة بني العباس 600 ألف صبراً، زيادة عمن قتل بغير ذلك .

ردود الفعل على قتل أبي مسلم:

وقد روى البيهقي عن الحاكم بسنده أن عبد الله بن المبارك سُئِل عن أبي مسلم ، أهو خير أم الحجاج ؟، فقال : ” لا أقول أن أبا مسلم كان خيراً من أحد ، ولكن الحجاج كان شراً منه ، فقد اتهمه بعضهم على الإسلام ، ورموه بالزندقة ، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدل على ذلك ، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه ، وقد ادعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية، والله أعلم بأمره ” .

وقد ثار أهل خراسان بسبب قتل أبي جعفر لأبي مسلم ، ومنهم سنباذ المجوسي الذي تمكن من احتلال قومس وأصبهان ، فبعث إليه المنصور جيشاً يضم عشرة آلاف مقاتل ، استطاع أن يهزمه ، ويقتل من أصحابه 60 ألفاً ، ويسبي ذراريهم ونساءهم ، وقد استمرت هذه الثورة سبعين يوماً .